فصل: الخبر عن نهوض السلطان أبي تاشفين إلى محمد بن يوسف بجبل وانشريش واستيلائه عليه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن طاعة الجزائر واستنزال ابن علان منها

وذكر أوليته كانت مدينة الجزائر هذه من أعمال صنهاجة وحطها بلكين بن زيري ونزلها بنوه من بعده‏.‏ثم صارت إلى الموحدين وانتظمها بنو عبد الرحمن في أمصار المغربين وإفريقية‏.‏ولما استبد بنو أبو حفص بأمر الموحدين وبلغت دعوتهم بلاد زناتة‏.‏وكانت تلمسان ثغراً لهم واستعملوا عليها يغمراسن وبنيه من بعده وعلى ضواحي مغراوة بني منديل بن عبد الرحمن وعلى وانشريش وما إليه من عمل بني توجين محمد بن عبد القوي وبنيه‏.‏وبقي ما وراء هذه الأعمال إلى الحضرة لولاية الموحدين من أهل دولته فكان العامل على الجزائر من الموحدين أهل الحضرة‏.‏وفي سنة أربع وستين انتقضوا على المستنصر ومكثوا في ذلك الانتقاض سبعاً‏.‏ثم أوعز إلى أبي هلال صاحب بجاية بالنهوض إليها في سنة إحدى وسبعين فحاصرها أشهراً وأفرج عنها‏.‏ثم عاودها بالحصار سنة أربع وسبعين أبو الحسن بن ياسين بعساكر الموحدين فاقتحمها عليهم عنوة واستباحها‏.‏وتقبض على مشيختها فلم يزالوا معتقلين كلا إلى أن هلك المستنصر‏.‏ولما انقسم أمر بني أبي حفص واستقل الأمير أبو زكرياء الأوسط بالثغور الغربية وأبوه وبعثوا إليه بالبيعة وولى عليهم ابن أكمازير‏.‏وكانت ولايتها لبطة من قبل فلم يزل هو والياً عليها إلى أن أسن وهرم‏.‏وكان ابن علان من مشيخة الجزائر مختصاً به ومتصرفاً في أوامره ونواهيه ومصدراً لأمارته‏.‏وحصل له بذلك الرياسة على أهل الجزائر سائر أيامه‏.‏فلما هلك ابن أكمازير حدثته نفسه بالاستبداد والانتزاء بمدينته فبعث عن أهل الشوكة من نظرائه ليلة هلاك أميره‏.‏وضرب أعناقهم وأصبح منادياً بالاستبداد واتخذ الآلة واستركب واستلحق من الغرباء والثعالبة عرب متيجة واستكثر من الرجال والرماة‏.‏ونازلته عساكر بجاية مراراً فامتنع عليهم‏.‏وغلب مليكش على جباية الكثير من بلاد متيجة ونازله أبو يحيى بن يعقوب بعساكر بني مرين عند استيلائهم على البلاد الشرقية وتوغلهم في القاصية فأخذ بمخنقها وضيق عليها‏.‏ومر بابن علان القاضي أبو العباس الغماري رسول الأمير خالد إلى يوسف بن يعقوب فأودعه الطاعة للسلطان‏.‏والضراعة إليه في الإبقاء فأبلغ ذلك عنه وشفع له فأوعز إلى أخيه أبي يحيى بمصالحته‏.‏ثم نازله الأمير خالد من بعد ذلك فامتنع عليه‏.‏وأقام على ذلك أربع عشرة سنة وعيون الخطوب تحرزه والأيام تستجمع لحربه‏.‏فلما غلب السلطان أبو حمو على بلاد بني توجين واستعمل يوسف بن حيون الهواري على وانشريش ومولاه مسامحاً على بلاد مغراوة ورجع إلى تلمسان‏.‏ثم نهض سنة اثنتي عشرة إلى بلاد شلف فنزل بها وقدم مولاه مسامحاً في العساكر فدوخ متيجة من سائر نواحيها وترس الجزائر وضيق حصارها حتى مسهم الجهد‏.‏وسأل ابن علان النزول على أن يستشرط لنفسه فتقبل السلطان اشتراطه‏.‏وملك السلطان أبو حمو الجزائر وانتظمها في أعماله‏.‏وارتحل ابن علان في جملة مسامح ولحقوا بالسلطان بمكانه من شلف فانكفأ إلى تلمسلن وابن علان في ركابه فأسكنه هنالك ووفى له بشرطه إلى أن هلك‏.‏والبقاء لله وحده‏.‏

  الخبر عن حركة صاحب المغرب إلى تلمسان وأولية ذلك

لما خرج عبد الحق بن عثمان من أعياص الملك على السلطان أبي الربيع بفاس وبايع له الحسن بن علي بن أبي الطلاق شيخ بني مرين بمداخلة الوزير رحو بن يعقوب كما قدمناه في أخبارهم‏.‏وملكوا تازى وزحف إليهم السلطان أبو الربيع فبعثوا وفدهم إلى السلطان أبو حمو صريخاً‏.‏ثم أعجلهم أبو الربيع وأجهضهم على تازى فلحقوا بالسلطان أبي حمو ودعوه إلى المظاهرة على المغرب ليكونوا رداء له دون قومهم‏.‏وهلك السلطان أبو الربيع خلال ذلك‏.‏واستقل بملك المغرب أبو سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق فطالب السلطان أبا حمو بإسلام أولئك النازعين إليه فأبى من إسلامهم وإخفار ذمته فيهم‏.‏وأجازهم البحر إلى العدوة فأغضى له السلطان أبو سعيد عنها وعقد له السلم‏.‏ثم استراب يعيش بن يعقوب بن عبد الحق بمكانه عند أخيه السلطان أبي سعيد لما سعى به عنده فنزع إلى تلمسان‏.‏وأجاره السلطان أبو حمو على أخيه فأحفظه ذلك ونهض إلى تلمسان سنة أربع عشرة‏.‏وعقد لابنه الأمير أبي علي وبعثه في مقدمته وصار هو في الساقة‏.‏ودخل أعمال تلمسان على هذه التعبية فاكتسح بسائطها‏.‏ونازل وجدة فقاتلها وضيق عليها‏.‏ثم تخطاها إلى تلمسان فنزل بساحتها‏.‏وانحجز موسى بن عثمان من وراء أسوارها وغلب على ضواحيها ورعاياها وسار السلطان أبو سعيد في عساكره يتقرى شعارها وبلادها بالحطم والانتساف والعبث‏.‏فلما أحيط به وثقلت وطأة السلطان عليه وحذر المغبة منهم ألطف الحيلة في خطاب الوزراء الذين كان يسرب أمواله فيهم ويخادعهم عن نصائح سلطانهم حتى اقتضى مراجعتهم في شأن جاره يعيش بن يعقوب وإدالته من أخته ثم بعث خطوطهم بذلك إلى السلطان أبي سعيد فامتلأ قلبه منها خشية واستراب بالخاصة والأولياء ونهض إلى المغرب على تعبيته ثم كان خروج ابنه عمر عليه بعد مرجعه وشغلوا عن تلمسان وأهلها برهة من الدهر حتى تم أمر الله في ذلك عند وقته‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

  الخبر عن مبدأ حصار بجاية وسرح الداعية إليه

لما خرج السلطان أبو سعيد إلى المغرب وشغل عن تلمسان فرغ أبو حمو لأهل القاصية من عمله‏.‏وكان راشد بن محمد بن ثابت بن منديل قد جاء من بلاد زواوة أثناء هذه الغمرة فاحتل بوطن شلف واجتمع إليه أوشاب قومه‏.‏وحين تجلت الغمرة عن السلطان أبي حمو نهض إليه بعد أن استعمل ابنه أبا تاشفين على تلمسان وجمع له الجموع ففر أمامه ناجياً إلى مثوى اغترابه ببجايه‏.‏وأقام بنو أبي سعيد بمعقلهم من جبال شلف على دعوته فاحتل السلطان أبو حمو بوادي نهل فخيم به‏.‏وجمع أهل أعماله لحصار بني أبي سعيد شيعة راشد بن محمد واتخذ هنالك قصره المعروف باسمه‏.‏وسرح العساكر لتدويخ القاصية ولحق به هنالك الحاجب ابن أبي حي مرجعه من الحج سنة إحدى عشرة وسبعماية فأغراه بملك بجايه ورغبه فيه‏.‏وكان له فيها طمع منذ رسالة السلطان أبي يحيى إليه‏.‏وذلك أنه لما انتقض على أخيه خالد دعى لنفسه بقسنطينة‏.‏ونهض إلى بجاية فانهزم عنها كما قدمناه في أخباره‏.‏وأوفد على السلطان أبي حمو بعض رجال دولته مغرياً له بابن خلوف وبجاية‏.‏ثم بعث إليه ابن خلوف أيضاً يسأله المظاهرة والمدد فأطمعه ذلك في ملك بجايه‏.‏ولما هلك ابن خلوف كما قدمناه لحق به كاتبه عبد الله بن هلال فأغراه واستحثه وعداه عن ذلك شأن الجزائر‏.‏فلما استولى على الجزائر بعث مسامحاً مولاه في عسكر مع ابن أبي حي فبلغوا إلى جبل الزان‏.‏وهلك ابن أبي حي ورجع مسامح‏.‏ثم شغله عن شأنها زحف‏.‏وفرغ من أمر عدوه ونزل بلد شلف كما ذكرنا آنفاً‏.‏ولحق به عثمان بن سباع بن يحيى وعثمان بن سباع بن شبل أمير الدواودة يستحثونه لملك الثغور الغربية من عمل الموحدين فاهتز لذلك وجمع له الجموع‏:‏ فعقد لمسعود ابن عمه أبي عامر برهوم على عسكر وأمره بحصار بجاية وعقد لمحمد ابن عمه يوسف قائد مليانة على عسكر ولمولاه مسامح على عسكر آخر‏.‏وسرحهم إلى بجاية وما وراءها لتدويخ البلاد‏.‏وعقد لموسى بن علي الكردي على عسكر ضخم وسرحه مع العرب من الدواودة وزغبة على طريق الصحراء‏.‏وانطلقوا إلى وجههم ذلك وفعلوا الأفاعيل كل فيما يليه‏.‏وتوغلوا في البلاد الضرقية حتى انتهوا إلى بلاد بونة‏.‏ثم انقلبوا من هنالك ومروا في طريقهم بقسنطينة ونازلوها أياما‏.‏وصعدوا جبل ابن ثابت المطل عليها فاستباحوه‏.‏ثم مروا ببني باورار فاستباحوها وأضرموها واكتسحوا سائر ما مروا عليه‏.‏وحدثت بينهم المنافرة حسداً ومنافسة فافترقوا ولحقوا بالسلطان‏.‏وأقام مسعود بن برهوم محاصراً لبجاية وبنى حصناً بأصفوان لمقامته‏.‏وكان يسرح الجيوش لقتالها فتجول في ساحتها ثم رجع إلى الحصن‏.‏ولم يزل كذلك حتى بلغه خروج محمد بن يوسف فأجفل عنها على ما نذكره الآن فلم يرجعوا لحصارها إلا بعد مدة‏.‏والله تعالى أعلم‏.‏

  الخبر عن خروج محمد بن يوسف ببلاد بني توجين وحروب السلطان معه

لما رجع محمد بن يوسف من قاصية المشرق كما قدمناه وسابقه إلى السلطان موسى بن علي الكردي وجوانحه تلتهب غيظاً وحقداً عليه‏.‏وسعى به عند السلطان فعزله عن مليانة فوجم لها‏.‏وسأله زيارة ابنه الأمير أبي تاشفين بتلمسان وهو ابن أخته فأذن له‏.‏وأوعز إلى ابنه بالقبض عليه فأبى عن ذلك‏.‏وأراد هو الرجوع إلى معسكر السلطان فخلى سبيله‏.‏ولما وصل إليه تنكر له وحجبه فاستراب وملأ قلبه الرعب‏.‏وفر من المعسكر ولحق بالمدية‏.‏ونزل على يوسف بن حسن بن عزيز عاملها للسلطان من بني توجين‏.‏فيقال إنه أوثقه اعتقالا حتى غلبه قومه على بغيته من الخروج معه لما كان السلطان أبو حمو يوسقهم به من نزعاته‏.‏فأخذ له البيعة على قومه ومن إليهم من العرب‏.‏وزحفوا إلى السلطان بمعسكره من نهل فلقيهم في عساكره فكانت الدبرة على السلطان ولحق بتلمسان وغلب محمد بن يوسف على بلاد بني توجين ومغراوة ونزل مليانة وخرج السلطان من تلمسان لأيام من دخولها وقد جمع الجموع وأزال العلل‏.‏وأوعز إلى مسعود ابن عمه برهوم بمكانه من حصار بجاية بالوصول إليه بالعساكر ليأخذ بحجرتهم من ورائهم‏.‏وخرج محمد بن يوسف من مليانة لاعتراضه واستعمل على مليانة يوسف بن حسن بن عزيز فلقيه ببلاد مليكش وانهزم محمد من يوسف‏.‏ولجأ إلى جبل موصاية وحاصره بها مسعود بن برهوم أياماً ثم أفرج عنه‏.‏ولحق بالسلطان فنازلوا جميعاً مليانة‏.‏وافتتحها السلطان عنوة وجيء بيوسف بن حسن أسيراً من مكمنه ببعض المسارب فعفا عنه وأطلقه‏.‏ثم زحف إلى المدية فملكها وأخذ الرهن من أهل تلك النواحي وقفل إلى تلمسان‏.‏واستطال محمد بن يوسف على النواحي ففشت دعوته في تلك القاصية‏.‏وخاطب مولانا السلطان أبا يحيى بالطاعة فبعث إليه بالهدية والآلة وسوغه سهام يغمراسن بن زيان من إفريقية‏.‏ووعده بالمظاهرة وغلب سائر بلاد بني توجين‏.‏وبايع له بنو تيغرين أهل جبل وانشريش فاستولى عليه‏.‏ثم نهض السلطان إلى الشرق سنة سبع عشرة وملك المدية واستعمل عليها يوسف بن حسن لمدافعة محمد بن يوسف واستبلغ في أخذ الرهن منه ومن أهل العمالات وقبائل زناتة والعرب حتى من قومه بني عبد الواد‏.‏ورجع إلى تلمسان ونزلهم بالقصبة وهي الغور الفسيحة الخطة تماثل بعض الأمصار العظيمة اتخذها للرهن‏.‏وكان يبالغ في ذلك حتى كان يأخذ الرهن المتعددة من البطن الواحد والفخذ الواحد والرهط‏.‏وتجاوز ذلك إلى أهل الآمصار والثغور من المشيخة والسوقة فملأ تلك القصبة بأبنائهم وأخوانهم‏.‏وشحنها بالأمم تلو الأمم وأذن لهم في ابتناء المنازل واتخاذ النساء‏.‏واختط لهم المساجد فجمعوا بها لصلاة الجمعة‏.‏ونفقت بها الأسواق والصنائع‏.‏وكان حال هذه البنية من أغرب ما حكي في العصورعن سجن‏.‏ولم يزل محمد بن يوسف بمكان خرو‏.‏من بلاد بني توجين إلى أن هلك السلطان‏.‏والبقاء لله وحده‏.‏

  الخبر عن مقتل السلطان أبي حمو وولاية ابنه أبي تاشفين من بعده

كان السلطان أبو حمو قد اصطفى مسعود ابن عمه برهوم وتبناه من بين عشيرته وأولي قرباه لمكان صرامته ودهائه واختصاص أبيه برهوم المكنى أبا عامر بعثمان بن يغمراسن شقيقه من بين سائر الإخوة فكان يؤثره على بنيه ويفاوضه في شؤونه ويصله إلى خلواته وكان قد دفع إلى ابنه عبد الرحمن أبا تاشفين أتراباً له من المعلوجي يقومون بخدمته في مرباه ومنشأه كان منهم هلال المعروف بالقطلاني ومسامح المسمى‏.‏بالصغير وفرج بن عبد الله وظافر ومهدي وعلي بن تكرارت وفرج الملقب شقورة وكان ألصقهم وأعقهم بنفسه تلاد له منهم يسمى هلالاً وكان أبو حمو كثيراً ما يقرعه ويوبخه إرهافاً في اكتساب الخلال وربما يقذع في تقريعه لما كان عفا الله عنه فحاشا فتحفظه لذلك‏.‏وكان مع ذلك شديد السطوة متجاوزاً بالعقاب حدوده في الزجر والأدب فكان أولئك المعلوجي تحت رهب عنه وكانوا يغرون لذلك مولاهم أبا تاشفين بأبيه ويبعثون غيرته بما يذكرون له من اصطفائه ابن أبي عامر دونه‏.‏وقارن ذلك أن مسعود بن أبي عامر أبلى في لقاء محمد بن يوسف الخارج على أبي حمو البلاء الحسن عندما رجع من حصار بجاية فاستحمد له السلطان ذلك وعير ولده عبد الرحمن بمكان ابن عمه هذا من النجابة والصرامة يستجد له بذلك خلالاً ويغريه بالكمال وكان عمه أبو عامر إيراهيم بن يغمراسن مثرياً بما نال من جوائز الملوك في وفاداته وما أقطع له أبوه وأخوه سائر أيامهما‏.‏ولما هلك سنة ست وتسعين استوصى أخاه عثمان بولده فضمهم ووضع تراثهم بمودع ماله حتى يؤنس منهم الرشد في أحوالهم‏.‏حتى إذا كانت غزاة ابنه أبي سرحان مسعود هذه وعلا فيها ذكره وبعد صيته رأى السلطان أبو حمو أن يدفع إليه تراث أبيه لاستجماع خلاله فاحتمل إليه من المودع‏.‏ونمي الخبر إلى ولده أبي تاشفين وبطانته السوء من المعلوجي فحسبوه مال الدولة قد احتمل إليه لبعد عهدهم عما وقع في تراث أبي عامر أبيه واتهموا السلطان بإيثاره بولاية العهد دون ابنه فأغروا أبا لاشفين بالتوثب على الأمر وحملوه على الفتك بمشتويه مسعود بن أبي عامر واعتقال السلطان أبي حمو ليتم له الاستبداد‏.‏وتحينوا لذلك قايلة الهاجرة عند منصرف السلطان من مجلسه وقد اجتمع إليه ببعض حجر القصر خاصة من البطانة وفيهم مسعود بن أبي عامر والوزراء من بني الملاح‏.‏وكان بنو الملاح هؤلاء قد استخلصهم السلطان لحجابته سائر أيامه وكان مسمى الحجابة عندهم قهرمانة الدار والنظر في الدخل والخرج وهم أهل بيت من قرطبة كانوا يحترفون فيها بسكة الدنانير والدراهم وربما دفعوا إلى النظر في ذلك ثقة بأمانتهم ونزل أولهم بتلمسان مع جالية قرطبة فاحترفوا بحرفتهم الأولى وزادوا إليها الفلاحة‏.‏واتصلوا بخدمة عثمان بن يغمراسن وابنه وكان لهم في دولة أبي حمو مزيد حظوة وعناية فولى على حجابته منهم لأول دولته محمد بن ميمون بن الملاح ثم ابنه محمد الأشقر من بعده ثم ابنه إبراهيم بن محمد من بعدهما‏.‏واشترك معه من قرابته علي بن عبد الله بن الملاح فكانا يتوليان مهمة بداره ويحضران خلوته مع خاصته فحضروا يومئذ مع السلطان بعد انقضاء مجلسه كما قلناه ومعه من القرابة مسعود القتيل وحماموش بن عبد الملك بن حنينة ومن الموالي معروف الكبير ابن أبي الفتوح بن عنتر من ولد نصر بن علي أمير بني يزناتن من توجين وكان السلطان قد استوزره فلما علم أبو تاشفين باجتماعهم هجم ببطانته عليهم وغلبوا الحاجب على بابه حتى ولجوه متسايلين بعد أن استمسكوا من إغلاقه حتى إذا توسطوا الدار اعتوروا السلطان بأسيافهم فقتلوه‏.‏وخام أبو تاشفين عنها فلم يعرجوا عليه‏.‏ولاذ أبو سرحان منهم ببعض زوايا الدار واستمكن من غلقها دونهم فكسروا الباب وقتلوه واستلحموا من كان هنالك من البطانة فلم يفلت إلا الأقل‏.‏وهلك الوزراء بنو الملاح واستبيحت منازلهم‏.‏وطاف الهاتف بسكك المدينة بأن أبا سرحان غدر بالسلطان وأن ابنه أبا تاشفين ثار منه فلم يخف على الناس الشأن‏.‏وكان موسى بن علي الكردي قائد العساكر قد سمع الصيحة وركب إلى القصر فوجده مغلقاً دونه فظن الظنون وخشي استيلاء مسعود على الأمر فبعث عن العباس بن يغمراسن كبير القرابة فأحضره عند باب القصر حتى إذا مر بهم الهاتف واستيقن مهلك أبي سرحان رد العباس على عقبه إلى منزله‏.‏ودخل إلى السلطان أبي ثاشفين وقد أدركه الدهش من الواقعة فثبته ونشطه لحقه وأجلسه بمجلس أبيه وتولى له عقد البيعة على قومه خاصة وعلى الناس عامة وذلك آخر جمادى الأولى من تلك السنة‏.‏وجهز السلطان إلى مدفنه بمقبرة سلفه من القصر القديم وأصبح مثلاً في الآخرين والبقاء لله‏.‏وأشخص السلطان لأول بيعته سائر القرابة الذين كانوا بتلمسان من ولد يغمراسن وأجازهم إلى العدوة حذراً من مغبة ترشيحهم وما يتوقع من الفتن على الدولة من قبلهم وقلد حجابته مولاه هلالاً فاضطلع بأعبائها واستبد بالعقد والحل والإبرام والنقض صدراً من دولته إلى أن نكبه حسبما نذكره‏.‏وعقد ليحيى بن موسى السنوسي من صنائع دولهم على شلف وسائر أعمال مغراوة وعقد لمحمد بن سلامة بن علي على عمله من بلاد بني يدللتن من توجين وعزل أخاه سعداً فلحق بالمغرب‏.‏وعقد لموسى بن علي الكردي على قاصية الشرق وجعل له حصار بجاية وأغرى دولته بتشييد القصور واتخاذ الرياض والبساتين فاستكمل ما شرع فيه أبوه من ذلك وأربى عليه فاحتفلت القصور والمصانع في الحسن ما شاءت واتسعت أخباره على ما نذكره‏.‏

  الخبر عن نهوض السلطان أبي تاشفين إلى محمد بن يوسف بجبل وانشريش واستيلائه عليه

كان محمد بن يوسف بعد مرجع السلطان أبي حمو عنه كما ذكرناه قد تغلب على جبل وانشريش ونواحيه واجتمع إليه الفل من مغراوة فاستفحل أمره واشتدت في تلك النواحي شوكته‏.‏وأهم السلطان أبا تاشفين أمره فاعتزم على النهوض إليه وجمع لذلك وأزاح العلل‏.‏وخرج من تلمسان سنة تسع عشرة واحتشد سائر القبائل من زناتة والعرب وأناخ على وانشريش وقد اجتمع به توجين ومغراوة مع محمد بن يوسف‏.‏وكان بنو تيغرين من بني توجين بطانة ابن عبد القوي يرجعون في رئاستهم إلى عمر بن عثمان بن عطية حسبما نذكره وكان قد استخلص سواه من بني توجين دونه فأسفه بذلك وداخل أبا تاشفين ووعده أن ينحرف عنه فاقتحم السلطان عليهم الجبل وانحجروا جميعاً بحصن توكال فخالفهم عمر بن عثمان في قومه إلى السلطان بعد أن حاصرهم ثمانياً فتخرم الجمع واختل الأمر وانفض الناس فاقتحم الحصن‏.‏وتقبض على محمد بن بوسف وجيء به أسيراً إلى السلطان وهو في موكبه فعدد عليه ثم وخزه برمحه‏.‏وتناوله الموالي برماحهم فأقعصوه وحمل رأسه على القناة إلى تلمسان فنصب بشرفات البلد‏.‏وعقد لعمر بن عثمان على جبل وانشريش وعمال بني عبد القوي ولسعيد العربي من مواليه على عمل المدية‏.‏فزحف إلى الشرق فأغار على أحياء رياح وهم بوادي الجنان حيث الثنية المفضية من بلاد حمزة إلى القبلة وصبح أحياءهم فاكتسح أموالهم ومضى في وجهه إلى بجاية فعرس بساحتها ثلاثاً وبها يومئذ الحاجب يعقوب بن عمر فامتنعت عليه فظهر له وجه المعذرة لأوليائهم في استحصانها لهم‏.‏وقفل إلى تلمسان إلى أن كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  الخبر عن حصار بجاية والفتنة الطويلة مع الموحدين التي كان فيها حتفه وذهاب سلطانه

لما رجع السلطان أبو تاشفين من حصار بجاية سنة تسع عشرة اعتمل في ترديد البعوث إلى قاصية الشرق والإلحاح بالغزو على بلاد الموحدين فأغزاها جيوشه سنة عشرين فدوخوا ضواحي بجاية وقفلوا‏.‏ثم أغزاهم ثانية سنة إحدى وعشرين وعليهم موسى بن علي الكردي فانتهى إلى قسنطينة وحاصرها فامتنعت عليه فأفرج عنها وابتنى حصن بكر لأول مضيق الوادي وادي بجاية‏.‏وأنزل به العسكر لنظر يحيى بن موسى قائد شلف وقفل إلى تلمسان‏.‏ثم نهض موسى بن علي ثالثة سنة اثنتين وعشرين فدوخ نواحي بجاية ونازلها أياماً‏.‏وامتنعت عليه فأفرج عنها‏.‏ووفد سنة ثلاث وعشرين على السلطان حمزة بن عمر بن أبي الليل كبير البدو بإفريقية صريخاً على صاحب إفريقية مولانا السلطان أبي يحيى فبعث معه العساكر من زناتة وعامتهم من بني توجين وبني راشد وأمر عليهم القواد وجعلهم لنظر قائده موسى بن علي الكربي ففصلوا إلى إفريقية فخرج السلطان للقائهم فانهزموا بنواحي مرمجنة‏.‏وتخطفتهم الأيدي فاستلحموا وقتل مسامح مولاه ورجع موسى بن علي بالفل فاتهمه السلطان بالادهان وكان من نكبته ما نذكر في أخباره‏.‏وسير العساكر سنة أربع وعشرين فدوخت نواحي بجاية ولقيه ابن سيد الناس فهزموه ونجا إلى البلد‏.‏ووفد على السلطان سنة خمس وعشرين مشيخة سليم‏:‏ حمزة بن عمر بن أبي الليل وطالب بن مهلهل الفحلان المتزاحمان في رياسة الكعوب‏.‏ومحمد بن مسكين من بني القوس كبراء حكيم فاستحثوه للحركة واستصرخوه على إفريقية وبعث معهم العساكر لنظر قائده موسى بن علي‏.‏ونصب لهم إبراهيم بن أبي بكر الشهيد من أعياص الحفصيين‏.‏وخرج مولانا السلطان أبو يحيى من تونس للقائهم وخشيهم على قسنطينة فسابقهم إليها فأقام موسى بن علي بعساكره على قسنطينة‏.‏وتقدم إبراهيم بن أبي بكر الشهيد في أحياء سليم إلى تونس فملكها كما ذكرناه في أخبارهم‏.‏وامتنعت قسنطينة على موسى بن علي فأفرج عنها لخمس عشرة ليلة من حصارها وعاد إلى تلمسان‏.‏ثم أغزاه السلطان سنة ست وعشرين في الجيوش وعهد إليه بتدويخ الضاحية ومحاصرة الثغور فنازل قسنطينة وأفسد نواحيها‏.‏ثم رجع إلى بجاية فحاصرها حتى إذا اعتزم على الإقلاع ورأى أن حصن بكر غير صالح لتجمير الكتائب عليها لبعده ارتاد للبناء عليها فيما هو أقرب منه فاختط بمكان سوق الخميس على وادي بجاية مدينة لتجهيز الكتائب بها على بجاية وجمع الأيدي على بنائها من الفعلة والعساكر فتمت لأربعين يوماً وسموها تامز يزدكت باسم الحصن القديم الذي كان لبني عبد الواد قبل الملك بالجبل قبلة وجدة وأنزل بها عسكراً يناهز ثلاثة آلاف‏.‏وأوعز السلطان إلى جميع عماله ببلاد المغرب الأوسط بنقل الحبوب إلى حيث كانت والأدم وسائر المرافق حتى الملح وأخذوا الرهن من سائر القبائل على الطاعة واستوفوا جبايتهم‏.‏فثقلت وطأتهم على بجاية واشتد حصارها وغلت أسعارها‏.‏وبعث مولانا السلطان أبو يحيى جيوشه وقواده سنة سبع وعشرين فسلكوا إلى بجاية على جبل بني عبد الجبار وخرج بهم قائدها أبو عبد الله بن سيد الناس إلى ذلك الحصن‏.‏وقد كان موسى بن علي عند بلوغ خبرهم إليه استنفر الجنود من ورائه وبعث إلى القواد قبله بالبراز فالتقى الجمعان بناحية تامز يزدكت فانكشف ابن سيد الناس ومات ظافر الكبير مقدم الموالي من المعلوجي بباب السلطان واستبيح معسكرهم‏.‏ولما سخط السلطان قائده موسى بن علي ونكبه كما نذكره في أخباره أغرى يحيى بن موسى السنوسي في العساكر إلى إفريقية ومعه القواد فعاثوا في نواحي قسنطينة وانتهوا إلى بلد بونة ورجعوا‏.‏وفي سنة تسع وعشرين بعدها وفد حمزة بن عمر على السلطان أبي تاشفين صريخاً ووفد معه أو بعده عبد الحق بن عثمان فحل الشول من بني مرين‏.‏وكان قد نزل على مولانا السلطان أبي يحيى منذ سنين فسخط بعض أحواله ولحق بتلمسان فبعث السلطان معهم جميع قواده بجيوشه لنظر يحيى بن موسى‏.‏ونصب لهم محمد بن أبي بكر بن أبي عمران من أعياص الحفصيين ولقيهم مولانا السلطان أبو يحيى بالرياس من نواحي بلاد هوارة وانخذل عنه أحياء العرب من أولاد مهلهل الذين كانوا معه وانكشفت جموعه واستولوا على ظعائنه بما فيها من الحريم‏.‏وعلى ولديه أحمد وعمر فبعثوا بهم إلى تلمسان ولحق مولانا السلطان أبو يحيى بقسنطينة وقد أصابه بعض الجراحة في حومة الحرب‏.‏وسار يحيى بن موسى وابن أبي عمران إلى تونس استولوا عليها‏.‏ورجع يحيى بن موسى عنهم بجموع زناتة لأربعين يوماً من دخولها قفل إلى تلمسان وبلغ الخبرإلى مولانا السلطان أبي يحيى بقفول زناتة عنهم فنهض إلى تونس وأجهض عنها ابن أبي عمر بعد أن كان أوفد من بجاية على ملك الغرب ابنه أبا زكرياء يحيى ومعه أبو محمد بن تافراكين من مشيخة الموحدين صريخاً على أبي تاشفين فكان ذلك داعية إلى انتقاض ملكه كما نذكره بعد‏.‏وداخل السلطان أبو تاشفين بعض أهل بجاية ودلوه على عورتها واستقدموه فنهض إليها ودخلها ونذر بذلك الحاحب ابن سيد الناس فسابقه إليها ودخلها يوم نزوله عليها وقتل من اتهمه بالمداخلة وانحسم الداء‏.‏وأقلع السلطان أبو تاشفين عنها وولى عيسى بن مزروع من مشيخة بني عبد الواد على المجيش الذي بتامز يزدكت وأوعز إليه ببناء حصن أقرب إلى بجاية عن تامز يزدكت فبناه بالياقوتة من أعلى الوادي قبالة بجاية‏.‏فأخذ بمخنقها واشتد الحصار إلى أن أخذ السلطان أبو الحسن بحجرتهم فانجفلوا جميعاً إلى تلمسان وتنفس مخنق الحصار عن بجاية‏.‏ونهض مولانا السلطان أبو يحيى جيوشه من تونس إلى تامز يزدكت سنة اثنتين وثلاثين فخربها في الخبر عن معاودة الفتنة مع بني مرين وحصارهم تلمسان ومقتل السلطان أبي تاشفين بن أبي حمو كان السلطان أبو تاشفين قد عقد السلم لأول دولته مع السلطان أبي سعيد ملك المغرب فلما انتقص عليه ابنه عمر سنة اثنتين وعشرين من بعد المهادنة الطويلة من لدن استبداده بسجلماسة بعث ابنه القعقاع إلى أبي تاشفين في الأخذ بحجرة أبيه عنه ونهض إلى مراكش فدخلها‏.‏وزحف إليه السلطان أبو سعيد فبعث أبو تاشفين قائده موسى بن علي في العساكر إلى نواحي تازى فاستباح عمل كارت واكتسح زروعه وقفل‏.‏واعتدها عليه السلطان أبو سعيد وبعث أبو تاشفين وزيره داود بن علي بن مكن رسولاً إلى السلطان أبي علي بسجلماسة فرجع عنه مغاضباً‏.‏وجنح أبو تاشفين بعدها إلى التمسك بسلم السلطان أبي سعيد فعقد لهم ذلك وأقاموا عليها مدة‏.‏فلما وفد ابن مولانا السلطان أبي يحيى على السلطان أبي سعيد ملك المغرب وانعقد الصهر بينهم كما ذكرناه في أخبارهم وهلك السلطان أبو سعيد نهض السلطان أبو الحسن إلى تلمسان بعد أن قدم رسله إلى السلطان أبي تاشفين في أن يقلع جيوشه عن حصار بجاية ويتجافى للموحدين عن عمل تدلس فأبى وأساء الرد وأسمع الرسل بمجلسه هجر القول‏.‏وأقذع لهم الموالي في الشتم لمرسلهم بمسمع من أبي تاشفين فأحفظ ذلك السلطان أبا الحسن ونهض في جيوشه سنة اثنتين وثلاثين إلى تلمسان فتخطاها إلى تاسالة وضرب معسكره وأطال المقامة‏.‏وبعث الممد إلى بجاية مع الحسن البطوي من صنائعه وركبوا في أساطيله من سواحل وهران‏.‏ووافاهم مولانا السلطان أبو يحيى ببجاية وقد جمع لحرب بني عبد الواد وهدم تامزيزدكت وجاء لموعد السلطان أبي الحسن معه أن يجتمعا بعساكرهما لحصار تلمسان فنهض من بجاية إلى تامزيزدكت وأجفل منها عسكر بني عبد الواد وتركوها قواء‏.‏ولحقت بها عساكر الموحدين فعاثوا فيها تخريبًا ونهبًا‏.‏وانطلقت الأيدي على الاكتساح بما كان فيها من الأقوات والأدم فنسفت والصقت جحرانها بالأرض‏.‏وتنفس مخنق بجاية من الحصار وانكمش بنو عبد الواد إلى وراء تخومهم‏.‏وفي خلال ذلك انتقض أبوعلي ابن السلطان أبي سعيد على أخيه وصمد من مقره بسجلماسة إلى درعة وفتك بالعامل وأقام فيها دعوته كما نذكر ذلك بعد‏.‏وطار الخبر إلى السلطان أبي الحسن بمحله من تاسالة فنكص راجعًا إلى المغرب لحسم دائه وراجع السلطان أبو تاشفين عزه وانبسطت عساكره في ضواحي عمله وكتب الكتائب وبعث بها مددًا للسلطان أبي علي‏.‏ثم استنفر قبائل زناتة وزحف إلى تخوم المغرب سنة ثلاث وثلاثين ليأخذ بحجرة السلطان أبي الحسن على أخيه وانتهى إلى ثغر تاوريرت‏.‏ولقيه هنالك تاشفين ابن السلطان أبي الحسن في كتيبة جمرها أبوه معه هنالك لسد الثغور ومعه منديل بن حمامة شيخ تيم بيغين من بني مرين في قومه‏.‏فلما برزوا إليه انكشف ورجع إلى تلمسان‏.‏ولما تغلب السلطان أبو الحسن على أخيه وقتله سنة أربع وثلاثين جمع لغزو تلمسان وحصارها ونهض إليها سنة خمس وقد استنفد وسعه في الاحتفال بذلك‏.‏وأحاطت بها عساكره وضرب عليها سياج الأسوار وسراد قات الحفائرأطبقت عليهم حتى لا يكاد الطيف يخلص منهم ولا إليهم‏.‏وسرح كتائبه إلى القاصية من كل جهة فتغلب على الضواحي وافتتح الأمصار جميعًا وخرب وجدة كما يأتي ذكر ذلك كله‏.‏وألح عليها بالقتال يغاديها ويراوحها ونصب المجانيق وانحجر بهما مع السلطان أبي تاشفين زعماء زناتة من بني توجين وبني عبد الواد وكان عليهم في بعض أيامها اليوم المشهور الذي استلحمت فيه أبطالهم وهلك أمراؤهم‏.‏وذلك أن السلطان أبا الحسن كان يباكرهم في الأسحار فيطوف من وراء أسواره التي ضرب عليهم شرطا يرتب فيه المقاتلة ويثقف الأطراف ويسد الفروج ويصلح الخلل وأبو تاشفين يبث العيون في ارتصاد فرصة فيه‏.‏وأطاف في بعض الأيام منتبذًا عن الجملة فكمنوا له حتى إذا سلك ما بين البلد والجبل انقضوا عليه يحسبونها فرصة قد وجدوها وضايقوه حتى كاد سرعان الناس أن يصلوا إليه‏.‏وأحس أهل المعسكر بذلك فركبوا زرافات ووحدانًا وركب ابناه الأميران أبو عبد الرحمن وأبو مالك جناحا عسكره وعقابا جحافله وتهاوت إليهم صقور بني مرين من كل جو فانكشف عسكر البلد ورجعوا القهقرى ثم ولوا الأدبار عنه منهزمين لا يلوي أحد منهم على أحد‏.‏واعترضهم مهوى الخندق فتطارحوا فيه وتهافتوا على ردمه فكان الهالك يومئذ بالروم أكثرمن الهالك بالقتل‏.‏وهلك من بني توجين يومئذ عمر بن عثمان كبير الحشم وعامل جبل وانشريش ومحمد بن سلامة بن علي كبير بنى يدللتن وصاحب القلعة تاوعزدوت وما إليها من عملهم وهما ما هما في زناتة إلى أشباه لهما وأمثال استحلموا في هذه الوقائع فقص هذا اليوم جناح الدولة وحطم منها واستمرت منازلة السلطان أبي الحسن إياها إلى آخر شهر رمضان من سنة سبع وثلاثين فاقتحمها يوم السابع والعشرين منه غلابًا‏.‏ولجأ السلطان أبوتاشفين إلى باب قصره في لمة من أصحابه ومعه ولدان عثمان ومسعود ووزيره موسى بن علي وعبد الحق بن عثمان بن محمد بن عبد الحق من أعياص بني مرين وهو الذي لحق بهم من تونس كما ذكرناه‏.‏وسيأتي ذكره وخبره‏.‏ومعه يومئذ ابنا أخيه أبو رزين وأبو ثابت فمانعوا دون القصر مستميتين إلى أن استلحموا ورفعت رؤوسهم على عصي رماح فطيف بها‏.‏وغضت سكك البلد من خارجها وداخلها بالعساكر وكظت أبوابها بالزحام حتى لقد كب الناس على أذقانهم وتواقعوا فوطئوا بالحوافر وتراكمت أشلاؤهم ما بين البابين حتى ضاق المذهب بين السقف ومسلك الباب فانطلقت الأيدي على المنازل نهبًا واكتساحًا‏.‏وخلص السلطان إلى المسجد الجامع واستدعى رؤوس الفتيا والشورى‏:‏ أبا زيد عبد الرحمن وأبا موسى عيسى ابني الإمام قدمهما من أعماله لمكان معتقلى في أهل العلم فحضرا ورفعا إليه أمر الناس وما نالهم من معرة ووعظاه فأناب‏.‏ونادى مناديه برفع الأيدي عن ذلك فسكن الاضطراب وأقصر العيث‏.‏وانتظم السلطان أبو الحسن أمصار المغرب الأوسط وعمله إلى سائر أعماله وتاخم الموحدين بثغوره وطمس رؤوس الملك لآل زيان ومعالمه واستتبع زناتة عصبًا تحت لوائه من بني عبد الواد وتوجين ومغراوة وأقطعهم ببلاد المغرب أسهامًا أدالهم بها من تراثهم بأعمال تلمسان فانقرض ملك آل يغمراسن برهة من الدهر إلى أن أعاده منهم أعياص سموا إليه بعد حين عند نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان كما ننكره فأومض بارقة وهبت ريحه‏.‏والله يؤتي ملكه من يشاء‏.‏